ابن أبي أصيبعة

76

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

به خراج في كلاه فلم يلبث إلا مدّة حتى بال مدة أعلمته أنه لا تعاوده هذه الحميات وكان كذلك إنما صرفنى في أول الأمر عن أن أبت القول بأن به خرّاج في كلاه أنه كان يحم قبل ذلك « حمى غب » وحميات أخر فكان للظن بأن تلك الحمى المخلطة من احتراقات تريد أن تصير ربعا موضع أقوى ولم يشك إلى قطنه شبه ثقل معلق منه إذا قام وأغفلت أنا أيضا أن أسأله عنه وقد كان كثرة البول يقوى ظني « بالخراج في الكلى » إلا أنى كنت لا أعلم أن أباه أيضا ضعيف المثانة ويعتريه هذا الداء وهو أيضا قد كان يعتريه في صحته فينبغي أن لا نغفل بعد ذلك غاية التقصي إن شاء اللّه ، ولما بال المدّة أكببت عليه بما يدر البول حتى صفى البول من المدة تم سقيته بعد ذلك « الطين المختوم » و « الكندر » و « دم الأخوين » وتخلص من علته وبرأ برءا تاما سريعا في نحو من شهرين وكان الخراج صغيرا ودلني على ذلك أنه لم يشك ابتداء ثقلا في قطنه لكن بعد أن بال مدة قلت له هل كنت تجد ذلك قلت قال نعم فلو كان كبيرا لقد كان يشكو ذلك وأن المدة تبينت سريعا يدل على صغر الخراج فأما غيرى من الأطباء فإنهم كانوا بعد أن بال مدة أيضا لا يعلمون حالته البتة . ويعلق العالم الكبير الدكتور محمد كامل حسين على هذه الفقرة قائلا : « لو لم يكن للرازي غير هذه الفقرة لعددته من أكبر الأطباء الإكلينيكيين وفيها الدلالة على ما في الأطباء من قوة وضعف ، فهو يلوم نفسه على عدم معرفة المرض لأول وهلة ، وكان يستطيع لو تقصى الحالة أن يصل إلى البت فيها ، ثم هو يلتمس لنفسه العذر لأن المريض لم يذكر له العلامة الهامة ، ثم يلوم نفسه على أنه لم يسأل عن حالته قبل ذلك وحالة أبيه ، ثم يخرج من ذلك إلى خطوة أدق في التشخيص مبينا سبب رأيه هذا ، ثم يختتم كل ذلك اللوم والعذر والبحث بأضعف صفة في كبار الأطباء دائما وهي شعورهم أن غيرهم لم يكن ليبلغ مبلغا يستطيع فيه حتى أن يخطئ خطأهم » « 1 » والحقيقة أن الرازي كان - بلا شك - طبيبا دقيقا في كشفه وتقديره لنوع المرض وتشخيصه تشخيصا جيدا . ومن أبرز مجهودات الرازي الطبية أنه أول من وصف الرشح التحسسى في التاريخ وقد عرف ذلك بالصدفة « عندما عثرت المستشرقة الألمانية فريد رون هاو بالصدفة ضمن

--> ( 1 ) حسين ، محمد كامل ، متنوعات ص 176 .